الحقيقة… تهمة في زمن الوهم

عبد الحليم السريدي

قال الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه:”منذ القدم والناس لا يعاقبون إلا من يقول الحقيقة، فإذا أردت أن تبقى مع الناس فشاركهم أوهامهم، فالحقيقة يقولها من يرغب في الرحيل.”

الحقيقة، في أصلها الفلسفي، ليست مجرّد قول صادق أو رأي مخالف. إنها فعل تحرّر، ووعي يتجاوز القوالب التي يصنعها المجتمع لحماية استقراره النفسي. لذلك، فإن من يقول الحقيقة لا يهدد الكذب فقط، بل يهزّ بنية الراحة التي يعيش فيها الناس.

ولهذا يُعاقب.

في زمن نيتشه، كانت الحقيقة صراعًا مع الدين والأخلاق السائدة.

أما في زمننا هذا، فهي صراع مع المنظومات الجديدة للوهم:

مع إعلامٍ يصنع الرواية التي يريدها الجمهور،

وساسةٍ يكيّفون الحقيقة وفق ميزان المصلحة،

ومجتمعٍ يخاف من المرآة أكثر من خوفه من الظلام.

لقد أصبحت الحقيقة اليوم سلعةً خاسرة في سوق يبيع الطمأنينة بأغلى الأثمان.

من يقولها يُقصى، ومن يجمّلها يُحتفى به.

في السياسة، يتحول “الناقد” إلى خصم.

في الإدارة، يتحول “الصادق” إلى عائق.

وفي الإعلام، يصبح “التحقيق النزيه” ضربًا من المغامرة.

هكذا تحوّل الوهم من استثناء إلى قاعدة.

الناس لا يكرهون الحقيقة لأنها خاطئة، بل لأنها تجرّدهم من التبرير.

فالإنسان، كما يقول نيتشه، لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن ما يُبقيه مرتاح الضمير.

لكن المفارقة أن المجتمعات التي ترفض الحقيقة، سرعان ما تغرق في نتائج إنكارها:

تتدهور الأخلاق، ويُختنق الإبداع، وتصبح الرداءة معيارًا عامًا.

فالوهم يخلق سكونًا، لكنه سكون القبور، بينما الحقيقة تُحدث صدمة، لكنها صدمة الحياة.

إن قول الحقيقة اليوم ليس موقفًا فرديًا فقط، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية.

فالعالم لا يتغير بالمجاملات، بل بمن تجرّأوا على قول ما لا يُقال.

وقد صدق نيتشه حين جعل الحقيقة طريقًا للرحيل، لأن الصادق لا يجد مكانه وسط الجموع النائمة.

وربما هنا تكمن المأساة الكبرى:

أن يبقى الكذب محبوبًا لأنه مريح،وتظل الحقيقة منفية لأنها صادقة.

لكن رغم كل ذلك، تظل الحقيقة — كما قال سقراط من قبل نيتشه — لا تموت، بل تنتظر من يملك الشجاعة لقولها من جديد.

 

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد