في الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات داخل المغرب لتعزيز مشاركة الشباب والكفاءات الجديدة في الحياة السياسية، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة الأحزاب على ترجمة التوجيهات الملكية السامية إلى واقع ملموس. فقد أكدت القيادة العليا للمملكة على ضرورة فتح المجال أمام وجوه شابة وكفاءات وطنية، ليس فقط لتجديد النخب السياسية، بل لضمان دينامية حقيقية في صناعة القرار وتعزيز الثقة بين المواطن والسياسة.
كما يشهد الواقع السياسي المغربي تحديات معقدة، فالتجارب السابقة أظهرت أن بعض الأحزاب لا تزال تخضع لمنطق الولاءات الداخلية والمحسوبية، حيث تصبح التزكيات رهينة العلاقات الشخصية والقدرة المالية للمرشحين. هذه الممارسات تضعف فرص الشباب الذين يمتلكون الكفاءة والرؤية، لكن يفتقرون للموارد أو النفوذ داخل هياكل الأحزاب.
في المقابل، بدأت بعض الأحزاب في السنوات الأخيرة بإدراك أهمية التجديد، حيث شرعت في إتاحة الفرص أمام وجوه جديدة من الشباب، سواء عبر المناصب الإدارية أو ترشيحات الانتخابات. هذه الخطوة تعتبر مؤشرا إيجابيا، لكنها تبقى محدودة في ظل غياب آليات واضحة للشفافية والعدالة في التزكيات.
فيما تتمحور الجدلية الحالية حول صراع غير مرئي بين التوجيه الملكي الذي يدعو للتجديد والتمكين، وبين الممارسات التقليدية التي يهيمن عليها المال وحب المناصب. إذ تشير مصادر متابعة للشأن السياسي إلى أن كثيرا من التزكيات اليوم تباع وتشترى، مما يعيد إنتاج النخب القديمة ويحد من فرص الشباب الواعدين.
ومع ذلك، فإن الضغط المجتمعي والإعلامي المستمر، إضافة إلى إدراك الأحزاب أن المستقبل السياسي يتطلب دمج الشباب، قد يكون عاملا محفزا لتقليص تأثير المال في التزكيات. الشفافية في التمويل الحزبي وإعادة النظر في آليات اختيار المرشحين تعتبر خطوات ضرورية لضمان أن تكون التوجيهات الملكية أكثر من مجرد شعارات.
المشهد السياسي المغربي يقف اليوم عند مفترق طرق، إما أن تتحول التوجيهات الملكية إلى واقع ملموس، فيشهد المغرب تجديدا حقيقيا للنخب مع انخراط الشباب في صناعة القرار، وإما أن تستمر ممارسات المحسوبية وسيطرة المال، مما يؤدي إلى إحباط جيل كامل من الشباب ويضعف مصداقية الأحزاب أمام المواطنين.
الرهان ليس فقط على الأحزاب نفسها، بل على المجتمع المدني والإعلام، وعلى الشباب ذاته الذين يتطلب منهم التسلح بالمعرفة والسياسة والقدرة على المطالبة بحقوقهم.
هذا، وإذا نجحت التغييرات، فسوف نشهد دخول قوى شبابية أكثر تنوعا، وتغيرا في نغمة السياسة “من منصب إلى خدم”، وتقوية لشرعية الأحزاب وديناميتها، وإذا لم يحدث ذلك، فإن التجديد سيتوقف عند الشعارات، وسيبقى الشباب خارج الميدان الفاعل، مما يضعف الديمقراطية والتمثيل السياسي.

