في مشهد أثار جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، تداول نشطاء مقطع فيديو يوثّق لحظة سلام أحد الحاضرين على عامل إقليم الحوز الجديد، حيث ظهر الشخص وهو ينحني بشكل لافت أثناء المصافحة داخل مقر العمالة نهاية الأسبوع الماضي.
تصرّف بسيط في ظاهره، لكنه فتح باباً كبيراً للتأويلات حول دلالاته ورسالته، خصوصاً في منطقة ما زالت تعيش على وقع جراح الزلزال وآمال التعافي.
بين من اعتبر المشهد تصرفاً عفوياً لا يستحق الجدل، ومن رأى فيه مؤشراً مقلقاً على عودة مظاهر الخضوع في الفضاءات الرسمية، يتساءل الرأي العام المحلي:
هل ما وقع مجرّد حركة تلقائية أم رسالة ضمنية موجّهة لساكنة الإقليم مفادها “الانحناء قبل السلام”؟
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون مؤسسات الدولة فضاءات لخدمة المواطن بكرامة واحترام متبادل، جاءت الواقعة لتعيد إلى الأذهان صوراً من الماضي، كانت فيها بعض الممارسات البروتوكولية تُستعمل لترسيخ ثقافة “الهيبة الإدارية” بدل ثقافة “خدمة المواطن”.
الخطير في الواقعة ليس فقط الانحناء ذاته، بل أيضاً سماح ديوان العامل بتصوير مقطع الفيديو داخل مقر رسمي، من طرف أشخاص لا يتوفرون على صفة قانونية في مجال الصحافة.
فالقانون رقم 88.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، ينص بوضوح في المادة 2 على أنه:
“لا يجوز لأي شخص أن يمارس مهنة الصحافة إلا إذا كان حاصلاً على بطاقة الصحافة المهنية المسلمة من طرف المجلس الوطني للصحافة.”
كما أن التصوير داخل الإدارات العمومية دون ترخيص مسبق يُعدّ إخلالاً بواجب السر المهني ويمكن أن يعرض صاحبه للمساءلة وفقاً للفصل 446 من القانون الجنائي المغربي، إذا تضمن الفيديو معطيات تتعلق بالمرفق العام أو بمسؤولين عموميين.
من المؤسف أن نرى ممثلاً للسلطة الإقليمية يقبل بمظاهر كهذه داخل مؤسسة عمومية، بدل أن يكون القدوة في ترسيخ صورة المسؤول القريب من المواطن دون حواجز.
فالعامل، بحكم الظهير الشريف المنظم لعمالات وأقاليم المملكة، هو موظف سامٍ مكلّف بتنفيذ سياسة الدولة محلياً وخدمة رعايا صاحب الجلالة، وليس شخصية يُفترض الانحناء لها أو التعامل معها بنزعة “تعظيم”.
هل يدرك ديوان العامل الرسالة التي التقطها الرأي العام من هذا المشهد؟
من سمح بالتصوير داخل مقر العمالة دون ترخيص؟
وكيف يمكن حماية صورة المؤسسات العمومية من السلوكيات التي تُسيء لهيبة الدولة الحديثة؟
إن احترام المؤسسات لا يعني الخضوع للأشخاص، بل الالتزام بالقانون وروح الخدمة العامة. وإذا كانت رسالة الدولة اليوم هي “الإنصات للمواطن”، فإن أي سلوك يوحي بالعكس يجب أن يُستدرك فوراً.
فكرامة المواطن هي أساس شرعية الإدارة، والسلطة الحقيقية تُقاس بقدرتها على احترام المواطن، لا بانحنائه أمامها.

