سباق الأطلسي: ترسيم الحدود بين المغرب وإسبانيا في قلب التحولات الاستراتيجية

يشهد المحيط الأطلسي بين المغرب وإسبانيا دينامية جديدة، تضع ترسيم الحدود البحرية وإدارة المجال الجوي فوق الصحراء المغربية في قلب نقاش استراتيجي متعدد الأبعاد. لم يعد الأمر مجرد نزاع تقليدي، بل امتداد لرؤية جيوسياسية يعكس صعود المغرب كقوة أطلسية وحرص مدريد على تأمين مصالحها في المنطقة.

في هذا الإطار، يبرز جبل “مونتي تروبيك”، التكوين الجيولوجي الغارق على عمق أكثر من 3 آلاف متر، كمركز اهتمام دولي لما يحتويه من معادن أساسية للانتقال الطاقي مثل التيلوريوم والكوبالت. ورغم أن استغلاله التجاري سيظل بعيد المدى، إلا أن النفوذ القانوني والسياسي بدأ بالفعل، مع التركيز على ضمانات بيئية صارمة قبل أي خطوات عملية.

تعتمد الرباط في مقاربتها على ثلاثة مبادئ أساسية: الالتزام بالقانون الدولي، رفض أي “أمر واقع” أحادي الجانب، واعتماد الإنصاف كأساس لترسيم الحدود. وهو التوجه الذي أكده وزير الخارجية المغربي مرارا منذ 2020، مع التأكيد على أن الاستراتيجية تتجاوز الحسابات التقنية الضيقة لتستند إلى رؤية سيادية قانونية.

من خلال القوانين 37-17 و38-17، أعاد المغرب تحديد حدوده البحرية وفق معايير الأمم المتحدة، مثبتا 200 ميل بحري كمنطقة اقتصادية خالصة، مع ترك المجال لتقديم ملف لاحق للجنة حدود الجرف القاري للوصول إلى 350 ميلا. ومثل هذه الخطوة وفق مدريد، تدخل في نطاق الشرعية الدولية، خصوصا بعد خطوات مماثلة قامت بها إسبانيا سنة 2010.

ويعد جبل “تروبيك” نقطة حساسة في المفاوضات، حيث تتقاطع الاعتبارات الجيولوجية والاقتصادية والبيئية، ويظل التنسيق بين البلدين ضروريا. القانون الدولي يوفر آليات للتطوير المشترك، ما يتيح للرباط ومدريد تبادل الدراسات وتقاسم المنافع المستقبلية، بما يخفف من أي توتر محتمل.

على الصعيد الجوي، لطالما تولى مركز مراقبة جزر الكناري مسؤولية الملاحة الجوية جنوب المغرب لأسباب تقنية، لكن التطورات السياسية الأخيرة وصدور قرار مجلس الأمن 2797 سنة 2025 أعاد الملف إلى مساره الطبيعي، مع مفاوضات تقنية بدأت منذ 2022 لنقل الإدارة تدريجيا إلى المغرب وفق معايير منظمة الطيران المدني الدولي.

وتشير التحليلات إلى أن هذه الفترة تمثل أفضل فرصة منذ نصف قرن لعقد اتفاق شامل يغطي الجوانب البحرية والجوية بين المغرب وإسبانيا. الاتفاق المحتمل قد يشمل ترسيم الحدود على أساس الإنصاف، إنشاء منطقة تطوير مشتركة حول جبل تروبيك، تنسيق تقني قبل اللجوء للجنة حدود الجرف القاري، وآلية دائمة للتشاور حول الاستغلال البحري والطاقة، بالإضافة إلى نقل كامل لإدارة المجال الجوي في الجنوب.

تتزامن هذه الملفات مع التحولات الاستراتيجية الإقليمية، بما في ذلك صعود المغرب كقوة أطلسية عبر موانئ طنجة المتوسط والداخلة، مشروع خط الغاز الأطلسي الإفريقي، ومبادرة المملكة لتعزيز الوصول الأطلسي للساحل الإفريقي، وتحول جزر الكناري إلى منصة طاقة وتجريب تكنولوجي.

في هذا السياق، يتجاوز التعاون البحري مجرد التسوية الحدودية ليصبح جزءا من هندسة جيوسياسية أوسع، تحول غرب البحر المتوسط إلى فضاء استراتيجي متشابك المصالح. وتبدو المؤشرات واضحة: المغرب وإسبانيا أمام فرصة استثنائية لإعادة كتابة تاريخ حدودهما البحرية والجوية، وبناء نموذج دولي لإدارة الموارد البحرية العميقة، حماية البيئة، وضمان الاستقرار الإقليمي. الملف إذن لم يعد نزاعاً تقليدياً، بل اختباراً لقدرة الضفتين على تحويل الجغرافيا إلى شراكة والمحيط الأطلسي إلى فضاء تعاون مستدام.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد