ما هكذا تُعزف النغمات يا ديدجي.
فحين يشتعل الجدل حول مقطع فيديو يوثّق مطالبة زبون بأداء 900 درهم مقابل وجبة مشويات بستي فاضمة، كنا ننتظر من الصحافة أن تتحرى، تسائل، وتقارن الوثائق… لا أن تقفز إلى الدفاع وكأنها طرف في النزاع.
غير أن إحدى المنابر الإعلامية اختارت عزف لحن مختلف: “توضيح” مبني على وثيقة لا تطابق تلك التي ظهرت في الفيديو، وتبرير أسعار لا يوجد لها مثيل إلا في الوحدات الفندقية المصنّفة “البلاس”. هكذا، بدل أن تنير الرأي العام، أضافت طبقة أخرى من الضباب فوق الواقعة.
القول بأن الرد مبني على “معطيات دقيقة” من مصادر خاصة لا يعفي المنبر من إظهار الوثيقة الأصلية، أو على الأقل مقارنتها بالوثيقة التي شاهدها الجمهور.
المهنية تقتضي الشفافية، لا الاكتفاء بسرد رواية جاهزة.
المعضلة ليست في دفاع المنبر عن المطعم، بل في اعتماده على فاتورة مغايرة تماماً لتلك التي ظهرت في الفيديو.
فكيف يُفنَّد مقطع مصوَّر بوثيقة مختلفة؟
إنه منطق لا يستقيم، ويعكس رغبة في صناعة جواب أكثر مما يعكس بحثاً عن الحقيقة.
هل فعلاً من المنطقي أن تباع قنينة ماء بـ 20 درهماً في مطعم غير مصنّف بمنطقة قروية؟
هذه تسعيرة لا تُعتمد حتى في بعض الفنادق، فكيف تُمرَّر مرور الكرام في رد صحفي يُفترض أنه يشرح الملابسات؟
الأمر نفسه ينطبق على سلطات بـ 80 درهماً وبطاطس بـ 40 درهماً… أرقام لا تبرر نفسها مهما حاول “المتحدثون باسم المطعم”.
كان الأجدر التحقق من:
هل الفاتورة في الفيديو هي نفسها الخاصة بالواقعة؟
لماذا تختلف الوثيقتان؟
هل الأسعار مسؤولة ومطابقة للتسعيرات المحلية؟
هل سجلت شكايات مماثلة سابقاً؟
لكن بدلاً من ذلك، جاء الرد متسرعاً، غير محكم، ومشحوناً بتبريرات جاهزة.
الصحافة ليست طرفاً في النزاع، وليست محامية عن جهة ضد أخرى.
وعندما تتجاوز هذا الخط، وتدخل في لعبة “التنقيح الدفاعي”، فإنها تفقد دورها الأساسي: طرح الأسئلة، لا الإجابة عنها نيابة عن الأطراف.
الرد الذي قُدم كان أقرب إلى نشاز إعلامي منه إلى عمل مهني.
فالحقيقة تُكشف بالمقارنة والتحقيق، لا بالدفاع المستعجل ولا بالاستناد إلى وثيقة مغايرة لما شاهده الناس بأعينهم.
خلاصة القول:
ما هكذا تُعزف النغمات يا ديدجي.
وما هكذا تُمارس الصحافة حين تصبح الشفافية ضرورة.
فإن كانت هناك رواية مضادة، فلتكن مبنية على وثائق متطابقة وأسئلة حقيقية… لا على محاولة ترقيع صورة مطعم بأسعار “خارج السياق”.
