إصلاح جبائي مرتقب يعيد ترتيب مالية الدار البيضاء ويشعل النقاش داخل المجلس الجماعي

عاد النقاش حول إصلاح المنظومة الجبائية وتدبير الأصول الجماعية ليطفو مجددًا على سطح أجندة جماعة الدار البيضاء، في ظل تحرك إداري يرمي إلى تسريع الحسم في ملفات توصف بالمفصلية بالنسبة للتوازنات المالية للعاصمة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، دُعي المجلس الجماعي إلى عقد دورة استثنائية جديدة نهاية الشهر الجاري، استجابة لمراسلة صادرة عن والي جهة الدار البيضاء–سطات، في خطوة تعكس توجّها واضحا نحو الدفع بعجلة الإصلاح المالي والمؤسساتي داخل الجماعة، خاصة مع اقتراب نهاية الولاية الانتدابية الحالية.
وبرمجت هذه الدورة بنقطة وحيدة تتعلق بمناقشة مشروع مراجعة القرار الجبائي المعمول به، وهو الإطار الذي يحدد الرسوم والواجبات المستخلصة لفائدة ميزانية المدينة، ويُنظر إليه كأحد المفاتيح الأساسية لتعزيز الموارد الذاتية وتقوية القدرة التمويلية للجماعة لمواكبة الأوراش الكبرى.
وقبيل انعقاد الدورة، تقرر عقد اجتماع للجنة الميزانية والشؤون المالية من أجل التدقيق في تفاصيل المشروع وتقييم انعكاساته المحتملة، في ظل ضغط متزايد على مالية الجماعة بفعل التزامات مرتبطة بالبنية التحتية والخدمات العمومية والمشاريع التنموية المفتوحة.
ويأتي هذا المسار في لحظة دقيقة، حيث يسعى المجلس إلى إعادة ترتيب واحد من أعقد الملفات المرتبطة بتدبير الممتلكات الجماعية، وهو ملف ظل لسنوات طويلة محط انتقادات بسبب ما شابه من اختلالات في الاستغلال وضعف المردودية.
وتفرض التحولات العمرانية والاقتصادية المتسارعة التي تعرفها الدار البيضاء حاجيات مالية متنامية، ما وضع الجماعة أمام تحدي البحث عن موارد إضافية قادرة على ضمان استمرارية الاستثمار وصيانة المرافق وتحسين جودة الخدمات المقدمة للساكنة.
وتراهن الأغلبية المسيرة على إعادة هيكلة تدبير الرصيد العقاري للجماعة، من خلال الانتقال من منطق التدبير الإداري الجامد إلى رؤية تعتبر الممتلكات الجماعية رافعة حقيقية للتمويل، تساهم في تقليص الاعتماد على التحويلات واللجوء إلى الاقتراض.
وفي هذا الإطار، تتجه الجماعة نحو إعادة تقييم القيمة الاقتصادية لأملاكها، واعتماد آليات استغلال أكثر نجاعة وشفافية، تربط العائدات بالقيمة السوقية الحقيقية، بما ينسجم مع الوزن الاقتصادي للمدينة ومكانتها الوطنية.
ويعتبر فاعلون داخل المجلس أن المرحلة الحالية تفرض القطع مع ممارسات قديمة طبعت هذا الملف، من قبيل عقود غير محينة وإيجارات لا تعكس القيمة الفعلية للعقارات، مؤكدين أن استمرار هذه الوضعية يشكل عبئًا على مالية المدينة ويقوض فرص التنمية.
وسبق لمسؤولة الجماعة الأولى أن نبهت إلى وجود عقارات جماعية، من محلات وفيلات ومرافق تجارية، ما تزال مستغلة مقابل مبالغ رمزية، في وضع وصفته بغير المقبول، لما يحمله من شبهة هدر للمال العام.
وترى الجماعة أن تصحيح هذا الاختلال يمر عبر مراجعة شاملة لشروط الاستغلال، وإرساء قواعد واضحة تضمن تكافؤ الفرص وتحقيق مصلحة المدينة، مع الالتزام بالإطار القانوني وحماية الحقوق المكتسبة في حدود ما يسمح به القانون.
في المقابل، لم يخلُ هذا الملف من تجاذبات سياسية داخل المجلس، إذ تطالب مكونات من المعارضة بالكشف عن لوائح المستفيدين وطبيعة العقود وشروط الاستغلال، معتبرة أن غياب المعطيات الدقيقة يضعف الثقة ويغذي الشكوك حول طريقة التدبير.
وذهبت بعض الأصوات إلى التحذير من احتمال وجود تفويتات لا تحترم المساطر القانونية، داعية إلى فتح نقاش عمومي مسؤول يفضي إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة وتحصين المال العام من أي استغلال غير مشروع.
وفي ظل هذا المناخ، تكتسي الدورة الاستثنائية المرتقبة بعدا يتجاوز الطابع التقني، باعتبارها محطة اختبار حقيقية لمدى جدية التوجه نحو إصلاح عميق لمنظومة الموارد داخل جماعة الدار البيضاء، في أفق إرساء حكامة مالية أكثر عقلانية وشفافية، تواكب طموحات مدينة تشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني ورهانا استراتيجيا على المستويين الإقليمي والقاري.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد