ظهور الحفر بمدينة مراكش: هل للزلزال يد خفية أم أن الإهمال هو السبب؟

 أبو عمر

عرفت مدينة مراكش خلال الأيام الأخيرة تطورات مقلقة تمثلت في تزايد ظهور الحفر والانهيارات الأرضية بعدد من الشوارع والأحياء، وهي ظاهرة أعادت إلى الواجهة تداعيات الزلزال الحوز الذي بلغت شدته 6,8 درجات، والذي خلّف ضحايا وخسائر مادية جسيمة بكل من إقليم الحوز وتارودانت. وإذا كانت الأضرار المباشرة للزلزال قد تمثلت أساساً في تصدع وانهيار بنايات بعدد من المناطق، فإن آثاره غير المباشرة بدأت تظهر لاحقاً داخل النسيج الحضري لمراكش، خصوصاً على مستوى البنية التحتية المدفونة تحت الأرض.

وقد تزامن ذلك مع تساقطات مطرية مهمة عرفتها المدينة، ما ساهم في تعرية اختلالات كامنة داخل شبكات الصرف الصحي وقنوات المياه. ففعل الاهتزازات الأرضية، حتى في المناطق البعيدة نسبياً عن بؤرة الزلزال، يمكن أن يُحدث تفكك وتشققات دقيقة في الأنابيب، ومع غزارة الأمطار ارتفعت قوة التسريب، لتتسلل كميات كبيرة من المياه إلى التربة المحيطة بهذه القنوات. هذا التسرب المستمر أدى إلى جرف التربة وإضعاف الطبقات الحاملة للطرق، مخلّفاً فراغات تحت الأرض لم تصمد أمام ضغط حركة السير وحمولة المركبات، لتتحول تدريجياً إلى حفر وانهيارات مفاجئة.

وبهذا المعنى، لم تكن الأمطار سبباً مستقلاً في ظهور الحفر، بقدر ما شكلت عاملاً كاشفاً لمشكل أعمق، يتمثل في هشاشة شبكة الصرف الصحي وتقادم جزء مهم منها. فالمنظومة التي لم تخضع للصيانة الدورية والمراقبة التقنية الصارمة، عجزت عن استيعاب الضغط الاستثنائي للمياه، سواء الناتج عن التساقطات المطرية أو عن التسربات المتفاقمة بفعل التشققات السابقة، ما جعل الخلل البنيوي يظهر إلى العلن بشكل سريع وخطير.

غير أن إرجاع ما يحدث إلى الزلزال والأمطار فقط يظل تبسيطاً لا يعكس حقيقة الوضع، إذ تتجه المسؤولية بالأساس نحو الجهات المكلفة بتدبير التطهير السائل وصيانة الشبكات الأرضية، والتي لم تعتمد، حسب متابعين، مقاربة استباقية قادرة على رصد الأعطاب ومعالجتها قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر للسلامة العامة. كما تتحمل الجماعة الترابية والمصالح التقنية المعنية بالطرقات جزءاً من المسؤولية، في ظل غياب تتبع دقيق لوضعية الأرضيات بعد الزلزال، والاعتماد على حلول ترقيعية سرعان ما تتآكل مع أول تساقطات مطرية.

إن ما تعرفه مراكش اليوم يؤكد أن الزلزال بقوته البالغة 6,8 درجات، والأمطار الغزيرة التي تلته، لم يكونا سوى عاملين مسرّعين لكشف اختلالات متراكمة في تدبير البنية التحتية، أكثر مما كانا سببين وحيدين في ظهور الحفر. فسلامة المدينة لا تتوقف عند ما هو ظاهر فوق الأرض، بل ترتبط بشكل وثيق بما هو مخفي تحتها من شبكات وقنوات. ومن ثم، فإن معالجة هذه الظاهرة تستدعي إرادة حقيقية لإصلاح الخلل من الجذور، عبر الصيانة الوقائية، والتنسيق بين المتدخلين، بدل انتظار الكوارث الطبيعية لتكشف ما تراكم من إهمال عبر السنوات.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحرك الجهات المعنية لإصلاح الخلل من الجذور، أم ننتظر حفرة جديدة لنعيد طرح نفس الأسئلة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد