النصب والتماطل في العقار بين المواطنين: أزمة الثقة وقانون بلا قوة

أصبحت صفقات بيع العقارات بين المواطنين، سواء شقق أو أراضي جاهزة للبناء، مصدرا مستمرا للمعاناة والخيبة. المواطن يضع ثقته وأمواله في وعود شفوية أو عقود غير موثقة، ويجد نفسه بعد سنوات من الانتظار بين تماطل البائع، ضياع الوقت، وخطر اقتطاع 10٪ من أمواله إذا اضطر لاسترجاعها بالقانون. هذه الظاهرة لم تعد مجرد حوادث فردية، بل انعكاس لواقع مأساوي في السوق العقاري المغربي، حيث الثقة بين الناس تحولت أحيانا إلى فخ، والمواطن البسيط، الذي يحلم ببيت أو قطعة أرض لمستقبله، يجد نفسه أسير وعود كاذبة ومواعيد وهمية.
البيع عبر التصاميم أو العقارات غير المكتملة أصبح شائعا بين المواطنين، وكثيرون يبيعون ويشترون اعتمادا على الوعود الشخصية أو عقود بسيطة غير موثقة، معتقدين أن مجرد الاتفاق الشفهي يكفي. الواقع يقول غير ذلك: التماطل أصبح القاعدة، والمواعيد المعلنة للتسليم غالبا ما تُنسى أو تُستبدل بأعذار واهية أو رمي اسباب  التماطل على الإدارة بتعطيل المساطر  ، بينما يجد المشتري نفسه مضطرا للانتظار أو اللجوء للقضاء،  أو الاكتفاء باسترجاع أمواله التي  غالبا  ما يتم اقتطاع 10٪ من المبالغ المسترجعة، وكأن مطالبة المواطن بحقوقه بعد طول انتظار تعتبر ذنبا يُعاقب عليه.
القانون المغربي، رغم وجود نصوص تحمي المشترين، يظل ضعيف التطبيق ومعقد الإجراءات، ويضع المواطن في مواجهة البيروقراطية والاقتطاعات المالية. المشكلة ليست فقط في النصب الفردي، بل في غياب الرقابة، ضعف العقوبات الرادعة، وقلة الوعي القانوني بين المواطنين العاديين، خصوصا عند التعامل مع عقارات في طور الإنجاز. هذه الثغرات جعلت عملية النصب والتمطيط شائعة، وأصبحت قضية الرأي العام.
والأمر لم يعد يُحتمل، «زبون التقولب» هذه العبارة  أصبحنا نشاهدها  في الوقفات الاحتحاجية والفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث نشاهد ونتابع مئات الوقفات، التنديدات، والشعارات في أغلب المدن المغربية، لتتحول قضية التأخر والنصب العقاري إلى صرخة جماعية تطالب السلطات بتصحيح الوضع.
حان الوقت لوضع قوانين وتشريعات جديدة للحد من هذه الآفة، لأنها تمس المواطن العادي والمستثمر الأجنبي على حد سواء، وتؤثر بشكل مباشر على ثقة الجميع في السوق العقاري. الحل ليس فقط في وعي المواطن أو حذره، بل في رقابة صارمة، عقوبات رادعة، وتسهيل آليات استرجاع الحقوق بدون تكاليف باهظة. حتى ذلك الحين، يبقى المواطن بين نارين: ثقته الضائعة وأمواله المهدورة، ومواجهة واقع السوق الذي يضع المسؤولية الكبرى على كاهله وحده.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد