قبل الانتخابات.. أحزاب تبحث عن وجوه جديدة لتعويض “الأسماء المحروقة”

يستعد عدد من المنتخبين الكبار لتقديم استقالاتهم من مهام تدبير بعض المجالس والهيئات، تمهيدًا لتغيير انتمائهم الحزبي قبل الانتخابات المقبلة، في خطوة تهدف إلى تفادي العقوبات التي تفرض على ما يعرف بالترحال السياسي، والتي تشمل التجريد من العضوية في مجلسي البرلمان، ومجالس الجماعات الترابية، والغرف المهنية. ويعكس هذا التحرك حجم الضغوط التي يواجهها الفاعلون السياسيون في مرحلة قبل الانتخابات، حيث يسعى كل طرف لتأمين حضور قوي في دوائر استراتيجية وضمان نفوذ أكبر على مستوى القرار المحلي والوطني.

وقد شهدت الأسابيع الماضية نشاطًا مكثفًا من قيادات أحزاب الأغلبية والمعارضة لاستقطاب وجوه انتخابية جديدة، سواء لملء الفراغ الذي تعاني منه بعض الدوائر، أو لاستبدال أسماء تعتبر “محروقة” بعد أن فقدت فعاليتها الانتخابية أو شعبيتها لدى الناخبين. وقد برز بشكل خاص حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة (البام) كمستفيدين رئيسيين من هذه التحركات، مستثمرين توقيتًا مبكرًا لترتيب أوراقهم قبل انطلاق الحملة الانتخابية، ومحاولين جذب شخصيات لها وزن انتخابي قادر على تغيير المعادلات المحلية.

وتشير المصادر إلى أن هذه المساعي نجحت في إقناع عدد من الوجوه البارزة في المدن الكبرى بقبول تغيير انتمائهم الحزبي، وهو ما يؤكد أن التحالفات الشخصية والمصالح الفردية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حسابات الأحزاب السياسية، حيث يتم التركيز على الأسماء ذات القدرة على حسم نتائج دوائر بعينها. وقد أجلت بعض الشخصيات حسم قرارها إلى اللحظات الأخيرة، فيما بدا وكأنها تتحين أفضل الفرص لتأمين مصالحها السياسية والمهنية في آن واحد.

وفي هذا السياق، شرع أمناء عامون لأحزاب مختلفة في استقبال برلمانيين ورؤساء جماعات ومنتخبين كبار في مقراتهم، لترتيب جميع تفاصيل عمليات الانتقال، من لقاءات سرية إلى اتفاقيات غير معلنة حول مستقبل هؤلاء المنتخبين داخل هياكل الأحزاب الجديدة. وقد أثار هذا الأسلوب انتقادات واسعة من أحزاب أخرى ترى نفسها مهددة بفقدان رصيد مهم من الوجوه الانتخابية التي كانت تراهن عليها، وهو ما قد يؤثر بشكل مباشر على قدرتها في الحفاظ على وجودها في دوائر استراتيجية قبل الانتخابات.

وعلى الرغم من الجدل الكبير الذي أثاره هذا السلوك السياسي، يستمر بعض الأمناء العامين في الإشراف المباشر على عمليات “الترحال السياسي”، بما يطرح تساؤلات عميقة حول نزاهة التنافس الانتخابي ومصداقية الانتماء الحزبي. فبين محاولات الالتفاف على العقوبات والبحث عن مصالح فردية، يبدو أن القوانين الحالية غير كافية لردع هذه الممارسات، مما يضعف أداة الضبط القانونية ويزيد من شعور المواطنين بعدم المساواة في المعاملة الانتخابية.

وتشير قراءة تحليلية للظاهرة إلى أن الترحال السياسي ليس مجرد تغيير انتماء حزبي، بل يعكس دينامية مزدوجة للأحزاب: فهي من جهة تحاول ضمان حضور قوي وشخصيات ذات وزن انتخابي، ومن جهة أخرى تعكس هشاشة الانتماء الحزبي وضعف المصداقية السياسية لبعض المنتخبين. وفي الوقت ذاته، يبرز هذا الواقع الحاجة الملحة لإعادة النظر في آليات تنظيم العملية الانتخابية، وتعزيز الشفافية والرقابة على تحركات المنتخبين لضمان تمثيل حقيقي ومستقر لمصالح المواطنين، وليس مجرد مصالح شخصية أو حزبية ضيقة.

وفي المحصلة، يبقى الترحال السياسي مؤشرًا على تحديات المشهد السياسي المغربي قبل الانتخابات، سواء على مستوى التنظيم الحزبي أو احترام القوانين، ويضع الضوء على ضرورة مراجعة الإجراءات القانونية والرقابية بما يحمي العملية الانتخابية ويضمن استمرار الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد