رغم سيل الأرقام التي تقدم كل سنة عن “إنجازات” الاقتصاد الوطني، يبقى الواقع اليومي للمواطن بعيدا عن هذه الصورة الوردية. عائدات الفوسفات ترتفع، ورخص التنقيب عن المعادن تتكاثر، لكن أثر ذلك يكاد لا يُرى في مستوى العيش، وكأن هذه الثروات تدور في دائرة مغلقة لا تصل إلى جيب المواطن. في المقابل، كلما ارتفعت الأسعار يُطلب […]]]>
رغم سيل الأرقام التي تقدم كل سنة عن “إنجازات” الاقتصاد الوطني، يبقى الواقع اليومي للمواطن بعيدا عن هذه الصورة الوردية. عائدات الفوسفات ترتفع، ورخص التنقيب عن المعادن تتكاثر، لكن أثر ذلك يكاد لا يُرى في مستوى العيش، وكأن هذه الثروات تدور في دائرة مغلقة لا تصل إلى جيب المواطن.
في المقابل، كلما ارتفعت الأسعار يُطلب من الناس تفهّم “الظروف الدولية”، خصوصا في ما يتعلق بالمحروقات، حيث أصبح أي توتر خارجي مبررا جاهزا لزيادات سريعة، تنعكس مباشرة على النقل والمواد الأساسية، دون أن يقابلها أي إجراء حقيقي للتخفيف من وقعها.
الوضع لا يختلف كثيرا في سوق اللحوم، فرغم الدعم العمومي الذي وُجه للقطاع، بقيت الأسعار عند مستويات مرتفعة، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول فعالية هذا الدعم، ومن المستفيد الحقيقي منه، في غياب أثر واضح على المستهلك.
أما الفلاحة، التي استنزفت استثمارات ضخمة لعقود، فتعيش على وقع مفارقة واضحة: منتجات موجهة للتصدير بجودة عالية، مقابل سوق داخلية تعاني من الغلاء وندرة بعض المواد. وكأن الأولوية أصبحت للأسواق الخارجية، بينما يُترك المواطن لمواجهة الأسعار كما هي.
وفي ملف الماء، تُطرح تحلية مياه البحر كحل استراتيجي، لكن كلفتها المرتفعة تفتح نقاشا حول جدوى هذا الخيار على المدى الطويل، خاصة عندما تتحمل الدولة فارق التكلفة، في ظل ضغط متزايد على المالية العمومية.
القطاع البحري بدوره يعكس نفس التناقض؛ إنتاج وفير وتصدير قوي، يقابله ارتفاع ملحوظ في أسعار السمك محليا، ما يجعل هذه الثروة بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المواطنين.
وفي العمق، يظل الاقتصاد الوطني مرتبطا بالخارج في عدد من المواد الأساسية، من الحبوب إلى الزيوت، وهو ما يجعل السوق الداخلية رهينة للتقلبات الدولية، ويؤجل تحقيق الاكتفاء الذاتي الذي طال الحديث عنه.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بندرة الموارد، بل بطريقة تدبيرها وتوزيع عائداتها. فبين أرقام تعلن عن النمو، وواقع يئن تحت ضغط الغلاء، تتسع الهوة، ويظل السؤال قائما: لمن تُخلق هذه الثروة فعليا؟
وهو السؤال نفسه الذي سبق أن طُرح بأعلى مستوى، حين جاء في أحد الخطابات الملكية التساؤل الصريح: “أين الثروة؟”. سؤال لم يكن للاستهلاك الظرفي، بل دعوة واضحة لإعادة النظر في مسارات التنمية ونماذج توزيع العائدات. وبين طرح السؤال واستمراره إلى اليوم، يبدو أن الجواب ما زال معلقا، في انتظار سياسات تُقرب الثروة من المواطن بدل أن تبقيها حبيسة الأرقام.
في المغرب، ظهر نظام صحي جديد للفئات الهشة، لكنه ليس كما يتصور الناس. هنا، المرض وحده لا يكفي لتنال الرعاية، بل هناك معيار آخر: مدى التزامك بالصمت الرقمي. كل مكالمة، كل رسالة، كل تفاعل صغير على هاتفك، قد يجعلك خارج قائمة المستفيدين. الفكرة بسيطة: من يلتزم بالهدوء التام ويقلل أي تواصل، يضمن لنفسه مكانًا […]]]>
في المغرب، ظهر نظام صحي جديد للفئات الهشة، لكنه ليس كما يتصور الناس. هنا، المرض وحده لا يكفي لتنال الرعاية، بل هناك معيار آخر: مدى التزامك بالصمت الرقمي. كل مكالمة، كل رسالة، كل تفاعل صغير على هاتفك، قد يجعلك خارج قائمة المستفيدين.
الفكرة بسيطة: من يلتزم بالهدوء التام ويقلل أي تواصل، يضمن لنفسه مكانًا في المستشفى. أما من يحاول إرسال رسالة أو شحن رصيد، فيخسر حقه، وكأن النظام يقول: “الاستحقاق يعتمد على مقدار الصمت وليس الألم”.
المضحك المبكي أن المسؤولين يتباهون بنظام شامل للرعاية الصحية، وفي نفس الوقت يقيسون حاجات الناس الرقمية بدل حاجاتهم الطبية. يبدو أن الهاتف أصبح مؤشرا لدرجة الحاجة: كل رسالة غير محسوبة تعني خطوة أبعد عن العلاج، وكل صمت رقمي يعني حقًا في الدواء.
النظام بهذا الشكل أنتج نوعًا جديدًا من المواطنين: الفقراء الصامتون، الذين يعرفون أن البقاء على قيد الحياة مرتبط بعدم فتح الهاتف، بعدم إرسال أي كلمة، وبعدم إظهار أي علامة للحياة الرقمية.
أما النهاية، فهي الأكثر سخرية: إذا أردت العلاج، تذكر أن مفتاح النجاة ليس الطبيب ولا الدواء، بل قدرتك على الصمت التام. وأي إشعار صغير أو رسالة بريئة قد يكلفك الرعاية، لتجد نفسك أمام المرارة الجديدة: هل ستنجو بالصمت أم ستخسر حياتك الصحية بسبب نغمة واتساب؟
في المغرب، يبدو أن الصمت صار رفاهية، والهدوء التام أصبح من أهم وسائل البقاء، حتى لو كان الثمن هو مواجهة المرض وحدك. مرحبًا بك في جناح الفقراء الصامتين، حيث الدواء لمن يصمت، والحياة لمن يختار الصمت كقيمة عليا.
]]>
في المغرب ملايين الأطفال ذوي الإعاقة، ومن بينهم الأطفال المصابون باضطراب طيف التوحد، يواجهون واقعًا صعبا يجعل التعليم حلما بعيد المنال. رغم النصوص القانونية والاتفاقيات الدولية التي تكفل لكل طفل حق التعلم دون تمييز، يبقى النظام المدرسي غير مؤهل لاستيعاب هذه الفئة، ما يحول الإدماج إلى تجربة شكلية أكثر منها تعليمية فعلية. تشير التقديرات إلى […]]]>
في المغرب ملايين الأطفال ذوي الإعاقة، ومن بينهم الأطفال المصابون باضطراب طيف التوحد، يواجهون واقعًا صعبا يجعل التعليم حلما بعيد المنال. رغم النصوص القانونية والاتفاقيات الدولية التي تكفل لكل طفل حق التعلم دون تمييز، يبقى النظام المدرسي غير مؤهل لاستيعاب هذه الفئة، ما يحول الإدماج إلى تجربة شكلية أكثر منها تعليمية فعلية.
تشير التقديرات إلى أن أكثر من مليون طفل ذي إعاقة يعيشون في المغرب، ونسبة كبيرة منهم خارج المدارس الرسمية. أما الأطفال المصابون بالتوحد، فيمثلون نحو 1% من إجمالي الأطفال، مع تزايد مستمر خلال السنوات الأخيرة. هذه الأرقام تعكس فجوة كبيرة بين الحقوق القانونية والواقع التعليمي على الأرض، وما تعانيه الأسر في محاولة ضمان التحاق أبنائها بالمدارس.
رغم القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية، يواجه التعليم الشامل في المغرب عقبات كبيرة. معظم المدارس لا تمتلك البنية التحتية المهيأة للأطفال ذوي الإعاقة، مثل الفصول الميسرة أو الأدوات التعليمية المتخصصة. بالإضافة إلى ذلك، عدد المعلمين المدربين على التربية الدامجة محدود، والمناهج التعليمية لا تراعي الفروق الفردية ولا توفر محتوى مرنا يمكن تخصيصه للطلاب ذوي الإعاقة.
غياب الدعم المادي والتربوي يجعل كثيرا من الأسر تتحمل العبء وحدها، مع قلة مؤسسات الدعم ومراكز التربية الخاصة، ما يزيد من الضغوط النفسية والمادية على العائلات، ويجعل الأطفال خارج العملية التعليمية الفعلية.
القوانين المغربية المدعومة باتفاقيات دولية تضمن للأطفال ذوي الإعاقة حق التعليم الشامل، لكنها غالبا تظل حبرا على ورق. غياب الموارد والإرادة السياسية يحوّل المدارس إلى أماكن حضور شكلي فقط، بينما يظل الأطفال غائبين عن التعلم الفعلي، ويزيد ذلك من شعورهم بالعزلة والتمييز.
الواقع التعليمي للأطفال ذوي الإعاقة في المغرب يظهر فجوة واضحة بين النصوص القانونية والحقوق المعلنة وبين التطبيق اليومي على الأرض. ملايين الأطفال يعيشون بين هذا الفراغ، وأسرهم تتحمل العبء الأكبر لمواجهة التحديات اليومية في ظل غياب بنية تعليمية متكاملة تتعامل مع احتياجاتهم الخاصة.
إن أزمة التعليم الشامل للأطفال ذوي الإعاقة والتوحد تكشف عن ضعف القدرة المؤسساتية على تحويل القوانين إلى واقع ملموس، وتضع المجتمع أمام حقيقة صعبة: التعليم لا يزال حلما مؤجلًا، والدمج المدرسي في المغرب بعيد عن تحقيقه الفعلي.
]]>
في زمن أصبح فيه المنصب عنوانا للسلطة، والمكاسب المادية مقياسا للنجاح، يظل الوطن هو الحلقة المفقودة في معادلة المسؤولية. كثيرون منا شاهدوا كيف تتحول الرغبة في خدمة الناس إلى سباق خلف المناصب، حيث يتناسى البعض أن الحكم والتمثيل السياسي ليسا مجرد امتيازات، بل واجبات تضطلع بها الضمائر قبل اللوائح الرسمية. المناصب العليا التي تتصدر المشهد […]]]>
في زمن أصبح فيه المنصب عنوانا للسلطة، والمكاسب المادية مقياسا للنجاح، يظل الوطن هو الحلقة المفقودة في معادلة المسؤولية. كثيرون منا شاهدوا كيف تتحول الرغبة في خدمة الناس إلى سباق خلف المناصب، حيث يتناسى البعض أن الحكم والتمثيل السياسي ليسا مجرد امتيازات، بل واجبات تضطلع بها الضمائر قبل اللوائح الرسمية.
المناصب العليا التي تتصدر المشهد غالبا ما تأتي محملة بالمكاسب المالية والاجتماعية، لكن القليل فقط من شغلتهم هذه المناصب شعور بالمسؤولية تجاه الوطن والمواطن. حين يصبح الجشع للسلطة والمصلحة الشخصية هو الدافع الأساسي، يتحول الدور العام من خدمة الشعب إلى بطاقة مرور لمكتسبات شخصية: سيارات فارهة، مناصب متلاحقة، وحياة اجتماعية مرفهة، بينما الشارع ينزف، والمدارس والمستشفيات تنتظر من يرفع عنها الغبار.
الوطن، للأسف، لا يحتمل هذه الازدواجية. هو يحتاج إلى قادة يفكرون بالناس قبل أنفسهم، إلى من يحملون القيم ويضبطون نزوات المكاسب الفارغة. فالسياسة ليست مجرد جدول أعمال ومؤتمرات صحفية، بل هي دم ينبض في شرايين المجتمع، وكل تأخير أو تقصير في هذا الدم يترك أثره على حياة المواطنين اليومية.
في النهاية، السؤال البسيط والصادم يبقى: هل نحن أمام مسؤولين يختارون المناصب والمكاسب، أم أمام قادة يختارون الوطن؟ الجواب سيحدد مسار البلاد، ويكشف عن مدى وعينا الجماعي بقيمة التضحية والفعل النبيل. الوطن لا يشترى، ولا يستبدل، ولا يخضع لمعادلة الربح والخسارة، فهو أكبر من أي منصب وأسمى من أي مكسب.
]]>
في خطاب جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، بمجلس النواب بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الحادية عشرة، رسم جلالته معالم مرحلة جديدة في علاقة الدولة بالمواطن، حيث أكد على الدور الحيوي للإعلام في تعزيز الوعي الديمقراطي، وتأطير المواطنين، وتمكينهم من فهم ومواكبة المبادرات والسياسات العمومية، لاسيما تلك التي ترتبط […]]]>
في خطاب جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، بمجلس النواب بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الحادية عشرة، رسم جلالته معالم مرحلة جديدة في علاقة الدولة بالمواطن، حيث أكد على الدور الحيوي للإعلام في تعزيز الوعي الديمقراطي، وتأطير المواطنين، وتمكينهم من فهم ومواكبة المبادرات والسياسات العمومية، لاسيما تلك التي ترتبط بشكل مباشر بحقوقهم وحرياتهم.
الخطاب الملكي جاء في سياق وطني ودولي يتسم بتحولات متسارعة، يتطلب توجيه العمل الإعلامي نحو خدمة المواطن، لا فقط عبر نقل الخبر، بل من خلال المساهمة في بناء رأي عام واع، ومسؤول، ومطلع على ما يجري داخل المؤسسات.
خطاب جلالة الملك يحمل رسالة على أن الإعلام لا يمكن أن يبقى على الهامش، بل يجب أن يكون فاعلا في شرح القوانين، وتبسيط المساطر، والتعريف بالقرارات التي تهم حياة المواطنين اليومية، وهذا ما يستدعي، حسب التوجيه الملكي، إيلاء عناية خاصة للإعلام العمومي، وتوفير الشروط الضرورية له كي يقوم بمهامه على أكمل وجه.
إن المرحلة تقتضي بناء إعلام مسؤول وفعال، يجعل من المواطن محور اهتمامه، ويعزز جسور الثقة بين المواطن والمؤسسات، وهي دعوة صريحة لإعادة النظر في آليات العمل الإعلامي، سواء من حيث التكوين، أو المضامين، أو الوسائط المستعملة.
وفي ظل الإنتشار الواسع للمعطيات والمعلومات على شبكات التواصل الإجتماعي، فإن الحاجة أصبحت ملحة اليوم لإعلام مهني، دقيق، متوازن، وقادر على التصدي للأخبار الزائفة، التي تسيء إلى الحياة العامة وتغذي مشاعر الإحباط وفقدان الثقة.
وفي هذا الصدد، فإن الإعلام الجهوي والمحلي يمكن أن يشكل رافعة مهمة لنقل انشغالات المواطنين والتفاعل معها، خاصة في ظل ورش الجهوية المتقدمة والتنمية المجالية.
وفي الأخير يجب التأكيد على أن الخطاب الملكي يجسد رؤية واضحة لمستقبل الإعلام في المغرب، قائمة على جعل المواطن فاعلا في العملية الديمقراطية، لا مجرد متلقي سلبي، وذلك عبر تمكينه من المعلومة الصحيحة، والتحليل الرصين، والنقاش البناء.
إنها دعوة لتأسيس مرحلة جديدة من المسؤولية الإعلامية، تتكامل فيها أدوار مؤسسات الدولة والمجتمع والإعلاميين، من أجل وطن قوي، متماسك، تسوده الشفافية، ويعلو فيه صوت العقل والمعرفة، حيث يكون المواطن في قلب العملية الديمقراطية، مطلعا، واعيا، وفاعلا.
أطلق الملك خطابا واضحا لم يترك مجالا للاختباء: الحكومة، البرلمان، والأحزاب أمام فرصة ثانية لتصحيح المسار. لكن السؤال الصريح: هل هي فعلاً فرصة، أم مجرد اختبار صامت لمعرفة من جد ومن لا يزال يعيش في وهم الشعارات؟ المواطن لم يعد يصدق الكلمات الرنانة. الشوارع غير المعبدة، المستشفيات مكتظة، المدارس متأخرة، وسوق الشغل يتراجع… كلها حقائق […]]]>
أطلق الملك خطابا واضحا لم يترك مجالا للاختباء: الحكومة، البرلمان، والأحزاب أمام فرصة ثانية لتصحيح المسار. لكن السؤال الصريح: هل هي فعلاً فرصة، أم مجرد اختبار صامت لمعرفة من جد ومن لا يزال يعيش في وهم الشعارات؟
المواطن لم يعد يصدق الكلمات الرنانة. الشوارع غير المعبدة، المستشفيات مكتظة، المدارس متأخرة، وسوق الشغل يتراجع… كلها حقائق يومية تكشف فجوة هائلة بين الخطاب والواقع. هل ستستجيب الحكومة لهذه التحديات، أم سيبقى خطاب الملك مجرد تذكير جميل على ورق؟
البرلمانيون والأحزاب لا يختلفون: هل سيستمرون في منطق المناورات السياسية والتراشق الإعلامي، أم سيضعون المواطن في قلب كل قرار؟ الوقت لم يعد يتسع للتبريرات. كل لحظة تأخير هي تذكير بأن الفرصة الثانية قد تتحول بسرعة إلى فرصة ضائعة.
في النهاية، الخطاب الملكي يحمل رسالة مزدوجة: التحفيز والإنذار معًا. إن لم تُستغل هذه الفرصة، فسيكون التاريخ والشعب هما الحكم النهائي. فهل ستسقط المؤسسات في فخ الروتين والمماطلة، أم ستثبت أنها قادرة على مجابهة التحديات بجرأة وفعالية؟
]]>
لم يعد الفقر في المغرب يرتدي وجها واحدا، فقد تمدد بصمت إلى بيوت كانت إلى وقت قريب تحسب على “الطبقة المتوسطة”، تلك الفئة التي طالما قيل إنها صمام الأمان الاجتماعي وعماد الاستقرار الاقتصادي. غير أن هذا “الدرع” بدأ يتآكل بصمت، تاركا خلفه شعورا جماعيا بالخيبة والضياع. من كان يظن أن الأستاذ الجامعي والموظف المتوسط وصاحب […]]]>
لم يعد الفقر في المغرب يرتدي وجها واحدا، فقد تمدد بصمت إلى بيوت كانت إلى وقت قريب تحسب على “الطبقة المتوسطة”، تلك الفئة التي طالما قيل إنها صمام الأمان الاجتماعي وعماد الاستقرار الاقتصادي. غير أن هذا “الدرع” بدأ يتآكل بصمت، تاركا خلفه شعورا جماعيا بالخيبة والضياع.
من كان يظن أن الأستاذ الجامعي والموظف المتوسط وصاحب المشروع الصغير سيجدون أنفسهم اليوم في معركة يومية مع الأسعار، ومع المدرسة الخصوصية، ومع المصحة التي لا ترحم؟ لم تعد الأزمة حكرا على الفئات الهشة، بل أصبحت عنوانا عاما لوضع اجتماعي مرتبك فقد بوصلته.
الطبقة التي بنت أحلامها على التعليم والترقي والوظيفة اكتشفت أن السلم الذي صعدته الدولة لعقود سحب من تحت قدميها، فما عاد التعليم طريقا للنجاح، ولا الوظيفة ضمانة للكرامة، ولا الادخار ممكنا في زمن يلتهم فيه الغلاء كل شيء.
ما يحدث اليوم ليس مجرد “غلاء معيشة”، بل انهيار لنموذج اجتماعي كامل. فالطبقة المتوسطة لم تكن فقط فئة دخل، بل كانت “ثقافة وسطى” تؤمن بالتوازن، والعمل، والمدرسة العمومية، والدولة كضامن للعدالة. حين تنهار هذه القناعة، ينهار معها الإيمان بالمؤسسات، وتتحول الحياة اليومية إلى ساحة شك دائم.
الاحتجاجات التي خرج فيها شباب من جيل جديد ليست فقط صرخة بطالة، بل تعبير عن شعور جماعي بأن الحلم المغربي فقد مضمونه. جيل نشأ على وعود التنمية، ليجد نفسه محاصرا بين واقع اقتصادي يزداد قسوة، وخطاب رسمي يتحدث بلغة الأرقام لا بلغة الناس.
لقد أصبحت السياسات العمومية تدار كما تدار الشركات: أرقام، نسب، ومؤشرات، بينما الحياة بكل ما فيها من معاناة يومية تختزل في جداول إحصاء باردة. هذه المقاربة التقنية فصلت بين الاقتصاد والمجتمع، وبين النمو والمواطن.
الأزمة إذن ليست أزمة ظرفية، بل أزمة ثقة ونموذج. فمن دون طبقة متوسطة قوية، لا يمكن لأي بلد أن يحافظ على توازنه. إنها المرآة التي تعكس ما إذا كان النموذج التنموي عادلا أم مجرد آلة تنتج تفاوتا جديدا كل يوم.
اليوم، تبدو تلك المرآة مكسورة، فالمغربي الذي كان يطمح إلى حياة كريمة بات يعيش على حافة القلق الدائم. وبدل أن تكون الطبقة المتوسطة جسرا بين الفقر والثراء، تحولت إلى منطقة عازلة تغرق ببطء في المستنقع ذاته الذي حاولت طويلا تجاوزه.
قد لا تسمع هذه الأزمة في الشوارع بعد، لكنها تتسرب إلى النفوس بصمت ثقيل، ومع كل سنة تمر تزداد هشاشة الأسر وتتقلص مساحة الأمل. وهذا ما يجعل السؤال الأكبر يفرض نفسه بإلحاح: إذا كانت الطبقة التي كانت “الرهان” قد انهارت، فعلى ماذا تراهن الدولة اليوم؟
]]>
مراد العطشان في مجتمعٍ يُقدّس الروابط العائلية إلى حدّ التناقض، جاء أب من ضواحي مراكش ليكسر الصمت ويسلّم ابنه للدرك الملكي بعد مشاركته في أعمال شغب. تصرفٌ نادر أعاد طرح سؤالٍ مؤلم: من أين يبدأ الولاء؟ من الدم أم من القانون؟ وماذا عن الذين اختاروا العكس، فغلبت عاطفتهم على ضميرهم فسكتوا عن المخربين؟ بين النص القانوني […]]]>
مراد العطشان
في مجتمعٍ يُقدّس الروابط العائلية إلى حدّ التناقض، جاء أب من ضواحي مراكش ليكسر الصمت ويسلّم ابنه للدرك الملكي بعد مشاركته في أعمال شغب.
تصرفٌ نادر أعاد طرح سؤالٍ مؤلم:
من أين يبدأ الولاء؟ من الدم أم من القانون؟
وماذا عن الذين اختاروا العكس، فغلبت عاطفتهم على ضميرهم فسكتوا عن المخربين؟
بين النص القانوني والضغط النفسي وصمت المجتمع، تكشف هذه الواقعة عن خللٍ عميق في علاقتنا بالعدالة… خلل يجعل التستر أحيانًا أسهل من قول الحقيقة رغم أن القانون المغربي يُظهر تسامحا إنسانيًا تجاه روابط الدم، إلا أنه لا يحمي من يتستر. فالفصل 297 من القانون الجنائي يعاقب كل من يُخفي عمدًا شخصًا يعلم أنه ارتكب جناية أو يساعده على الهروب، والفصل 299 يعاقب من يعلم بوقوع جناية أو بمحاولة ارتكابها ويصمت دون إبلاغ السلطات.
بمعنى آخر، الصمت أمام الجريمة لا يُعتبر حيادًا بل تواطؤًا، خاصة حين يكون بدافع الخوف أو المصلحة أو حماية الفاعل من العدالة.
ورغم أن المشرّع يستثني الأب والأم والأقارب المباشرين من العقوبة، إلا أن هذا الإعفاء لا يُلغي المبدأ الأخلاقي: من يتستر يُضعف العدالة، ومن يواجه الحقيقة — كما فعل الأب الذي سلّم ابنه — يُعيد الاعتبار للقانون والأسرة معًا.
فبين العاطفة والقانون، اختار الأب الطريق الأصعب: طريق الضمير.
علم النفس الاجتماعي يفسّر هذا السلوك بما يُعرف بـ”التحيّز الأسري”، أي غلبة العاطفة على الضمير المدني.
الإنسان في مثل هذه الحالات يعيش تناقضًا بين حبّه وضميره.
من جهة، لا يحتمل أن يرى ابنه أو قريبه داخل السجن، ومن جهة أخرى يشعر بالذنب تجاه المجتمع الذي تضرر من الفعل.
هذا الصراع يولّد ما يسميه علماء النفس بـ”الضغط الأخلاقي”، وهو شعور بالاختناق بين قيمتين متعارضتين: الرحمة والعدالة.
وبسبب غياب التربية على مفهوم المواطنة القانونية في الأسرة والمدرسة، يميل الفرد المغربي إلى الانحياز للأسرة بدل الدولة، حتى لو كان على حساب الحق العام.
تكرار مثل هذه الحالات يكشف أن الأسرة المغربية فقدت وظيفة الردع التي كانت تمارسها في السابق.
في الماضي، كانت كلمة الأب أو الأم كافية لتصحيح السلوك قبل أن يتدخل القانون. اليوم، انكسرت تلك الهيبة أمام جيل يعيش قطيعة تربوية، لا يخاف من الأسرة ولا يحترم سلطة الدولة إلا بالعقوبة.
السكوت عن المخرب ليس حيادًا، بل تواطؤ.
ومن يسكت عن الخطأ بحجة العائلة أو الخوف، يشارك بصمته في إنتاج الفوضى نفسها التي يخشاها.
القانون واضح، والضمير أصدق: من رأى ضررًا وسكت، فقد اختار صفّ الضرر.
]]>
هل يقترب المغرب من انفراج سياسي وحقوقي جديد، أم أن التدرج في الإصلاح سيبقى محدودًا على الورق؟ الرؤية الملكية لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، تهدف منذ سنوات إلى ترسيخ دولة المؤسسات وتعزيز العدالة الاجتماعية، لكن السؤال الأهم: هل يشعر المواطن فعليًا بهذه التحولات في حياته اليومية؟ المملكة تسير نحو مرحلة يبدو فيها الانفتاح السياسي […]]]>
هل يقترب المغرب من انفراج سياسي وحقوقي جديد، أم أن التدرج في الإصلاح سيبقى محدودًا على الورق؟ الرؤية الملكية لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، تهدف منذ سنوات إلى ترسيخ دولة المؤسسات وتعزيز العدالة الاجتماعية، لكن السؤال الأهم: هل يشعر المواطن فعليًا بهذه التحولات في حياته اليومية؟
المملكة تسير نحو مرحلة يبدو فيها الانفتاح السياسي والحقوقي أكثر وضوحًا، مع توسيع فضاءات النقاش والمشاركة، ودعم استقلالية القضاء، وتحديث المنظومة القانونية. لكن هل ستنجح هذه الخطوات في بناء مصالحة وطنية حقيقية، أم ستظل إصلاحات تدريجية، تفتقد إلى العمق والجرأة؟
التحدي الأكبر يكمن في قدرة الدولة على الجمع بين الإصلاح المؤسساتي والانفتاح المدني، بحيث لا يبقى هذا الانفتاح محصورًا في الصياغات القانونية أو الشعارات الرسمية. المواطن يراقب النتائج اليومية: هل يشعر بحرية التعبير؟ هل يجد آليات فعّالة لمساءلة المسؤولين؟ هل تتحقق العدالة الاجتماعية في المدارس والمستشفيات والأحياء الشعبية؟ هذه الأسئلة هي مقياس نجاح أي انفراج سياسي حقيقي.
من جهة أخرى، إن الانفتاح التدريجي يضع المغرب أمام اختبار قدرة مؤسساته على إدارة التغيير دون زعزعة الاستقرار، وفي الوقت نفسه الاستجابة لتطلعات المجتمع المدني. فالنجاح لا يُقاس بمدى سرعة الإصلاح، بل بمدى أثره على جودة حياة المواطنين، وتأسيس ثقة مستدامة بين الدولة والمجتمع، تجعل الانفتاح السياسي والحقوقي حقيقة محسوسة وليس مجرد شعار.
الرهان اليوم هو على تحويل الرؤية إلى واقع ملموس، يجعل المواطن محور كل السياسات العمومية، ويؤكد أن التنمية ليست مجرد شعارات، بل حقوق وحريات حقيقية تُمارس يوميًا. النجاح في هذا المسار يعني أن المغرب قد يصبح نموذجًا للإصلاح الهادئ والمتوازن، لكن الفشل سيبقي التدرج البطيء عنوان المرحلة، مع استمرار التساؤلات حول جدوى الانفتاح المعلن.
]]>
لم يعد خفيا ان قناة الجزيرة جعلت من المغرب هدفا دائم الهجمات الاعلامية كلما سنحت الفرصة، وكأن بين الدوحة والرباط خصومة قديمة لا تنتهي. منذ سنوات والقناة القطرية لا تفوت مناسبة الا وتبث تقريرا مشوها او برنامجا استقصائيا مفبركا يعاد انتاجه وفق رواية جاهزة تخدم اجندة محددة. تارة تتحدث عن الحقوق والحريات، وتارة تشكك في […]]]>
لم يعد خفيا ان قناة الجزيرة جعلت من المغرب هدفا دائم الهجمات الاعلامية كلما سنحت الفرصة، وكأن بين الدوحة والرباط خصومة قديمة لا تنتهي. منذ سنوات والقناة القطرية لا تفوت مناسبة الا وتبث تقريرا مشوها او برنامجا استقصائيا مفبركا يعاد انتاجه وفق رواية جاهزة تخدم اجندة محددة.
تارة تتحدث عن الحقوق والحريات، وتارة تشكك في الاستقرار، وأخرى تثير ملف الصحراء المغربية وكأنها الوصي على القانون الدولي. عناوين مثيرة وضيوف مختارون بعناية وكاميرات لا ترى الا ما يخدم الصورة المراد ترسيخها. كل ذلك تحت شعار الرأي والرأي الاخر، بينما لا رأي اخر يُسمع داخل القناة نفسها.
الجزيرة التي تزعم الموضوعية تتحول عند ذكر المغرب الى منصة لتصفية الحسابات السياسية. تقاريرها تبنى على الانتقاء لا على التحقيق، وعلى التضخيم لا على التحليل. تحول حدثا عابرا الى ازمة وطنية، وتتجاهل الانجازات وكأنها غير موجودة. كل ما هو ايجابي يغيب عمدًا، وكل ما يمكن قراءته بسلبية يضخّم حتى يبدو الحقيقة المطلقة.
المفارقة ان القناة التي تقدم نفسها حارسة للديمقراطية في العالم العربي، تتغافل عن غيابها في محيطها القريب. لكنها حين يتعلق الامر بالمغرب، تصبح الجرأة شعارًا زائفًا لتبرير التحامل والتشويه تحت غطاء حرية التعبير.
لقد تحولت تغطيات الجزيرة عن المغرب الى نسخة مكررة لا جديد فيها سوى الاصرار على بث السموم. نفس اللغة، نفس الوجوه، ونفس الاسلوب الموجه الذي يكشف عن نية مبيتة لتقويض صورة بلد اختار الاصلاح في اطار الاستقرار، لا في فوضى الشعارات.
المغرب ليس مادة اعلامية سهلة تشكل حسب الاهواء. انه دولة عريقة تمتد جذورها في التاريخ، وتملك من الوعي والاستقرار ما يجعلها عصية على حملات التشويش. كل تقرير مسموم تبثه الجزيرة يقابل بجدار من الادراك الشعبي، لان المغاربة يدركون ان وراء ذلك رغبة دفينة في زرع الفتنة وبث الشك.
الجزيرة التي ترفع شعار الرأي والرأي الاخر لم تجرؤ يواما على ممارسة هذا الشعار داخل بلدها. لم نر تحقيقا استقصائيا عن اوضاع العمالة، او غياب الانتخابات، او القواعد العسكرية الاجنبية. حرية التعبير عندها تنتهي حيث تبدأ مصالحها.
ما تمارسه الجزيرة تجاه المغرب ليس صحافة، بل سياسة بوجه اعلامي. تقاريرها واسلوبها وضيوفها ادوات في خدمة اجندة تستثمر في الفوضى وتستهدف استقرار الدول.
اما المغرب، فسيبقى صامدا وواثقا، ماضيا في مساره بثبات. لان الاوطان لا تهتز بتقارير تلفزيونية، ولا تقاس بزاوية كاميرا منحازة. والجزيرة، مهما بالغت في التحريض، لن تغير حقيقة ان المغرب اقوى من ان تهزه ابواق فقدت مصداقيتها منذ زمن.
]]>